الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
230
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله : لَهُمْ مقتضى الظاهر فيه أن يكون بعد قوله : دِينَهُمُ لأن المجرور بالحرف أضعف تعلقا من مفعول الفعل ، فقدم لَهُمْ عليه للإيماء إلى العناية بهم ، أي يكون التمكين لأجلهم ، كتقديم المجرور على المفعولين في قوله : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ [ الشرح : 1 ، 2 ] . وإضافة الدين إلى ضميرهم لتشريفهم به لأنه دين اللّه كما دل عليه قوله عقبه : الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ، أي الذي اختاره ليكون دينهم ، فيقتضي ذلك أنه اختارهم أيضا ليكونوا أتباع هذا الدين . وفيه إشارة إلى أن الموصوفين بهذه الصلة هم الذين ينشرون هذا الدين في الأمم لأنه دينهم فيكون تمكنه في الناس بواسطتهم . وإنما قال : وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ولم يقل : وليؤمننهم ، كما قال في سابقيه لأنهم ما كانوا يطمحون يومئذ إلا إلى الأمن ، كما ورد في حديث أبي العالية المتقدم آنفا ، فكانوا في حالة هي ضد الأمن ولو أعطوا الأمن دون أن يكونوا في حالة خوف لكان الأمن منة واحدة . وإضافة الخوف إلى ضميرهم للإشارة إلى أنه خوف معروف مقرر . وتنكير أَمْناً للتعظيم بقرينة كونه مبدّلا من بعد خوفهم المعروف بالشدة . والمقصود : الأمن من أعدائهم المشركين والمنافقين . وفيه بشارة بأن اللّه مزيل الشرك والنفاق من الأمة . وليس هذا الوعد بمقتض أن لا تحدث حوادث خوف في الأمة في بعض الأقطار كالخوف الذي اعترى أهل المدينة من ثورة أهل مصر الذين قادهم الضالّ مالك الأشتر النخعي ، ومثل الخوف الذي حدث في المدينة يوم الحرّة وغير ذلك من الحوادث وإنما كانت تلك مسببات عن أسباب بشرية وإلى اللّه إيابهم وعلى اللّه حسابهم . وقرأ الجمهور : وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ بفتح الموحدة وتشديد الدال . وقرأه ابن كثير وأبو بكر عن عاصم ويعقوب بسكون الموحدة وتخفيف الدال والمعنى واحد . وجملة : يَعْبُدُونَنِي حال من ضمائر الغيبة المتقدمة ، أي هذا الوعد جرى في حال عبادتهم إياي . وفي هذه الحال إيذان بأن ذلك الوعد جزاء لهم ، أي وعدتهم هذا الوعد الشامل لهم والباقي في خلفهم لأنهم يعبدونني عبادة خالصة عن الإشراك . وعبر بالمضارع لإفادة استمرارهم على ذلك تعريضا بالمنافقين إذ كانوا يؤمنون ثم ينقلبون .